بات القرار السياسي في العراق يتجه إلى حصر السلاح بيد الدولة، تحت ضغط أميركي مباشر، وبعد تفويض رئيس الوزراء علي الزيدي بإدارة الملف داخل البيت الشيعي.
في هذا السياق، أعلنت عصائب أهل الحق، بزعامة قيس الخزعلي، تشكيل لجنة مركزية لاستكمال إجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي، وجرد الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية، بما ينسجم مع “متطلبات الدولة ومؤسساتها الأمنية”. وقالت الحركة إن القرار يأتي ضمن مسار حصر السلاح بيد الدولة والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة.
وبحسب مصادر +ontime، فإن كتائب سيد الشهداء دخلت أيضاً في مسار فك الارتباط، ضمن موجة أوسع من إعادة التموضع التي تشمل فصائل مرتبطة بمحور إيران في العراق بما فيها كتائب الإمام علي.
لكن هذه الخطوات لا تعني، حتى الآن، تخلياً حقيقياً عن السلاح. فهذه بداية مسار طويل من المناورة: الفصائل تخفض رأسها أمام العاصفة، وتحاول امتصاص الضغط الأميركي، من دون التخلي عن البنية العميقة التي صنعت نفوذها داخل الدولة والاقتصاد.
تفصيل:
• إعلان العصائب هو الأكثر وضوحاً حتى الآن. الحركة تحدثت عن لجنة رسمية، جرد للسلاح والآليات، وفك ارتباط تنظيمي مع الحشد الشعبي.
• الرسالة السياسية في البيان أهم من التفاصيل الإدارية: الفصيل يقول إنه لن يصطدم علناً بقرار حصر السلاح بيد الدولة.
• مصادر +ontime تفيد بأن كتائب سيد الشهداء دخلتا المسار نفسه، لكن بدرجات مختلفة من العلنية والحذر.
• إدراج كتائب سيد الشهداء في هذا المسار مهم، لأن الفصيل يُعد من أكثر التشكيلات ارتباطاً بأجندة الحرس الثوري وبالعمل العابر للحدود.
• لذلك لا تبدو الخطوة تحوّلاً عقائدياً. هي أقرب إلى إعادة موضعة للنفوذ، وليس تفكيكاً له.
• واشنطن تضغط على بغداد لتقليص حضور الفصائل المرتبطة بإيران داخل الدولة، وليس فقط في الشارع.
• الضغط لا يقتصر على السياسة. في مايو، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مسؤولين وشركات وشخصيات قالت إنهم استغلوا قطاع النفط العراقي لصالح إيران ووكلائها، وشملت العقوبات قيادات مرتبطة بعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء.
من هي هذه الفصائل؟
عصائب أهل الحق
الفصيل الأبرز في هذه الموجة. تقوده شخصية قيس الخزعلي ( في الظل شقيقه ليث الخزعلي)، الذي انتقل خلال سنوات من قائد ميليشيا إلى لاعب سياسي داخل البيت الشيعي. للحركة جناح سياسي معروف باسم صادقون، وحضور داخل البرلمان والمؤسسات. واشنطن تصنف العصائب ضمن الجماعات الإرهابية، وتعدّها جزءاً من شبكة الفصائل العراقية المرتبطة بإيران.
بنت الحركة نفوذاً سياسياً واقتصادياً، واستفادت من التموضع داخل مؤسسات الدولة. لذلك فإن فك الارتباط مع الحشد، إن تم شكلياً، لا يعني تلقائياً تفكيك شبكاتها داخل الوزارات والعقود والمكاتب الاقتصادية.
كتائب الإمام علي
تُعرف بارتباطها باسم شبل الزيدي، وهو أحد أبرز وجوه الفصيل. وهو تنظيم يجمع بين العمل العسكري والحضور الاجتماعي والاقتصادي، مع تركيز واضح على بناء نفوذ تجاري.
كتائب سيد الشهداء
يقودها أبو آلاء الولائي، واسمه هاشم “فنيان رحيم السراجي”. الفصيل خرج من بيئة قريبة من كتائب حزب الله، وارتبط بالحرب السورية وبأجندة إيران الإقليمية وهو فصيل عابر للحدود يعمل مباشرة مع الحرس الثوري، ضمن محور “المقاومة”.
لهذا السبب، فإن دخول كتائب سيد الشهداء في مسار فك الارتباط، بحسب مصادرنا، لا يبدد الشكوك. بالعكس، يزيد الحاجة إلى قراءة الخطوة كجزء من تكتيك أوسع: الانحناء للعاصفة ليس إلا.
لماذا تبدو الخطوة مناورة؟
هذه الجماعات المرتبطة بإيران طورت مصادر تمويل ضخمة داخل قطاع الطاقة، بما في ذلك تهريب الوقود واستغلال المنتجات المدعومة بقيمة مليارات الدولارات سنوياً.
قد تسلم الفصائل جزءاً من السلاح، أو تنقل الألوية إلى صيغة أكثر رسمية، لكنها تستطيع الاحتفاظ بما هو أخطر: المال، والعقود، والحماية، والواجهات التجارية، والنفوذ داخل المؤسسات.
إنه مسار المراوغة هذا طويل ويجري بالتنسيق مع الحرس الثوري. الفصائل فهمت أن المرحلة تغيرت. الضغط الأميركي صار مباشراً، والحكومة العراقية تحتاج إلى إثبات أنها تملك قرار السلاح، والبيت الشيعي يحاول تجنب صدام داخلي واسع.
لذلك تختار الفصائل الطريق الرمادي: إعلان فك ارتباط، ولجان جرد، وخطاب قانوني، وربما تسليم جزء من السلاح الثقيل أو المتوسط. لكن جوهر القوة قد يبقى في مكان آخر.
ماذا بعد؟
الاختبار ليس في بيانات فك الارتباط، الاختبار الحقيقي يكمن في ثلاثة ملفات:
-هل ستُسلّم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة فعلياً إلى الدولة؟
-هل ستُغلق المكاتب الاقتصادية وشبكات الجباية والابتزاز؟
-وهل ستُمنع هذه الفصائل من تحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ حكومي واقتصادي أكثر أماناً؟
إذا لم يحدث ذلك، فسنكون أمام إعادة تموضع وليس نزع للسلاح.