دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المكتب البيضاوي صباح 11 فبراير وهو يسعى، بحسب تقرير نيويورك تايمز، إلى تثبيت الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مسار الحرب، في لحظة كانت فيها واشنطن وتل أبيب تناقشان سراً هجوماً عسكرياً على إيران، بينما بدأ مسؤولون في إدارة ترامب بالتفاوض مع الإيرانيين حول مستقبل برنامجهم النووي.
على مدى ما يقارب ثلاث ساعات، ناقش الزعيمان احتمالات الحرب وتواريخ محتملة للهجوم، واحتمال أن ينجح ترامب في إبرام اتفاق مع إيران، رغم أن التقرير يصف هذا الاحتمال بأنه كان ضعيفاً. وبعد أيام، عبّر ترامب علناً عن شكوكه في المسار الدبلوماسي، ثم بعد أسبوعين انتقل قرار واشنطن إلى التنفيذ عبر قصف واسع بالتنسيق مع إسرائيل.
تقول نيويورك تايمز إن ترامب ظهر أمام الجمهور متأرجحاً بين خيار الصفقة وخيار إسقاط النظام، من دون أن يبذل جهداً كبيراً لإقناع الأميركيين بضرورة الحرب في ذلك التوقيت، كما أن المرافعات العلنية لواشنطن تضمنت، بحسب التقرير، ادعاءات غير دقيقة حول قرب التهديد الذي تمثله إيران على الولايات المتحدة.
لكن خلف الكواليس، يصف التقرير أن المسار نحو الحرب كان يتقدم بثبات، مدفوعاً بحلفاء مثل نتنياهو الذين دفعوا باتجاه ضربة قاصمة ضد النظام الإيراني، وبثقة ترامب المتزايدة بعد عملية أميركية سابقة أطاحت بحاكم فنزويلا نيكولاس مادورو في يناير.
وبحسب رواية التقرير، كان قرار واشنطن ضربة سياسية لصالح نتنياهو الذي حث ترامب لأشهر على استهداف ما اعتبره نظاماً ضعيفاً. ويذكر التقرير أن نتنياهو طلب في اجتماع سابق بمارالاغو خلال ديسمبر موافقة ترامب على ضرب مواقع صواريخ إيرانية في الأشهر التالية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى شريك كامل في حرب تستهدف رأس القيادة الإيرانية.
داخل الإدارة الأميركية، يصف التقرير أن الأصوات المعارضة للعمل العسكري كانت قليلة. بل إن نائب الرئيس جي دي فانس، المعروف بتشككه في تدخلات الشرق الأوسط، قال في اجتماع بغرفة العمليات إن الولايات المتحدة إذا قررت ضرب إيران فعليها أن تنفذ ضربة واسعة وسريعة. وفي الاجتماع نفسه، حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين من أن الحرب قد تقود إلى خسائر أميركية كبيرة، لكن ترامب قدّم لاحقاً للجمهور صورة أكثر طمأنة مما سمعه في الاجتماعات، وفق التقرير.
ويضيف التقرير أن مسؤولين كباراً لم يوضحوا بالكامل طبيعة الهدف النهائي في جلسات مغلقة مع قادة الكونغرس، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو لم يذكر في إحاطة مع قادة لجان الاستخبارات أن الإدارة تدرس تغيير النظام، رغم أن تقرير نيويورك تايمز يصف أن هذا الخيار كان مطروحاً في النقاشات الداخلية.
وبحسب نيويورك تايمز، جاء الأمر التنفيذي النهائي بالحملة خلال رحلة على متن الطائرة الرئاسية إلى تكساس، حين أعطى ترامب الضوء الأخضر لهجوم مستدام يبدأ بضربة تستهدف المرشد الأعلى، مستخدماً عبارة مفادها أن العملية تمت الموافقة عليها ولا مجال للتراجع.
في موازاة ذلك، يعرض التقرير كيف تحولت الدبلوماسية إلى مسار يمنح الوقت أكثر مما يمنح فرصة اتفاق. ففي منتصف يناير كانت واشنطن، وفق التقرير، في وضع عسكري غير مناسب لحرب طويلة بالمنطقة: لا حاملات طائرات في الميدان، سرب مقاتلات بعيد، وقواعد تضم نحو 40 ألف جندي أميركي تفتقر للدفاعات الجوية الكافية لمواجهة الرد الإيراني المتوقع. إسرائيل بدورها كانت بحاجة لوقت لتعزيز مخزونها من اعتراضات الصواريخ ونشر بطاريات دفاع جوي.
هنا، يذكر التقرير أن نتنياهو طلب من ترامب في 14 يناير تأخير أي ضربة حتى تستكمل إسرائيل استعداداتها، وأن ترامب وافق. ثم تسارع البناء العسكري: حاملتا طائرات ومرافِقات اتجهت إلى المنطقة، وطائرات مقاتلة وقاذفات وطائرات تزويد بالوقود وبطاريات دفاع جوي نُشرت تباعاً، حتى باتت واشنطن بحلول منتصف فبراير تمتلك قوة قادرة على حملة لأسابيع.
في الوقت نفسه، كان مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يجريان محادثات نووية غير مباشرة مع إيران. ويورد التقرير أن الإيرانيين قدموا خطة من سبع صفحات بأرقام تخص مستويات التخصيب المستقبلية، ما أثار قلق الفريق الأميركي الذي أصر على صفر تخصيب، قبل أن ينتهي الأمر إلى قناعة داخل البيت الأبيض بأن الاتفاق غير ممكن، بحسب ما نقل التقرير عن مسؤولين ومصادر مطلعة.
يبقى العنصر الأهم الذي حسم توقيت الضربة، وفق التقرير، اختراقاً استخباراتياً وصفته نيويورك تايمز بأنه حاسم. تقول الرواية إن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تتابع تحركات المرشد الأعلى، ثم علمت بوجوده صباح السبت في مجمعه السكني بوسط طهران، بالتزامن مع اجتماع قيادات مدنية وعسكرية عليا في الموقع نفسه. نُقلت المعلومة إلى إسرائيل، واتفق الطرفان على بدء الحرب بضربة نهارية تستهدف رأس القيادة، بعد أن كان التصور الأولي يميل إلى ضربة ليلية تحت غطاء الظلام.
ويضيف التقرير أن التقديرات داخل إيران كانت ترى أن ضربة نهارية أقل احتمالاً، وأنهم لم يتعاملوا مع اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي بوصفه حدثاً يستدعي التحصن في مواقع تحت الأرض. كما ينقل التقرير عن مسؤولين إيرانيين أن المرشد كان يفضّل البقاء في مكانه وعدم الاختباء، قبل أن تضرب الصواريخ المجمع بعد بدء الاجتماع بوقت قصير.
المصدر: تقرير نيويورك تايمز.